الشيخ عبد الغني النابلسي

24

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

( ينبه ) سبحانه بذلك ( على حضرة الخيال ) المقيدة للمطلق ( وعلى ) جواز ( استعمالها ) في معرفة المطلق للضرورة ، إذ لا يمكن الممكن المقيد أن يعرف الواجب المطلق إلا مقيدا بقيود من طرفه لا من طرف الواجب ، فيعرف الواجب المطلق بذلك ويعرف أنه ما عرفه إلا بما منه لا بما من الواجب المطلق ، ويعرف أنه عرف الواجب المطلق من وجه ما منه وما عرف الواجب المطلق من وجه ما من الواجب المطلق ، فالواجب المطلق عنده موصوف بأنه الظاهر له من وجه ما منه ، والباطن عنه من وجه ما هو الواجب المطلق عليه في نفسه ، فهو مشاهد له من حيث ما هو ظاهر له ، وعاجز عنه من وجه ما هو باطن عنه ، ولهذا ورد عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه أنه كان يقول من حيث الظهور : « ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه فيه » وكان يقول من حيث البطون « العجز عن درك الإدراك إدراك » . ( وهو ) ، أي هذا المعنى المذكور ( معنى قوله ) ، أي النبي ( عليه السلام ) في بيان مقام ( الإحسان ) الإحسان ( أن تعبد اللّه ) تعالى بأن تأتي بكل ما أمرك به سبحانه بأمر قطعي أو ظني ، وتنتهي عن كل ما نهاك عنه تعالى بنهي قطعي أو ظني على حسب ما اقتضاه اجتهادك أو اجتهاد إمامك في الظاهر والباطن ، والحال أنك ( كأنك ) ، أي مثل أنك ( تراه ) ، أي تنظره سبحانه ، فإن من كان ممكنا لا يرى الواجب إلا برؤية ممكنة مقتضية لصورة من طرف الرائي وصورة من طرف المرئي تحول بينه وبين الواجب ، فيصير كأنه يراه لا أنه يراه ، فإن الرؤية شرطها عدم الحجاب بين الرائي والمرئي وهنا الصورتان حجابان بينهما ، وقد يراه في صورة نفسه فيكون حجاب واحد بينهما وقد تضاف الرؤية بوجه غيبي أتم عند الرائي إلى الظاهر بصورة الرائي للظاهر بصورة المرئي ويكون الرائي والمرئي واحدا والصورة بينهما فارقة مميزة للحضرتين وهو قوله : « وإن لم تكن تراه فإنه يراك » ، أي فإن لم تكن تراه ، لأنه عينك التي تبصر بها فإنه يراك بعينك التي ترى بها نفسك فإنك مرئي لا راء وهو راء لا مرئي ( و ) قوله صلى اللّه عليه وسلم : ( اللّه في قبلة المصلي ) « 1 » . وفي رواية الترمذي « 2 » : « وإن اللّه عز وجل أمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا

--> ( 1 ) يشير إلى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه فإن اللّه قبل وجهه إذا صلى » . رواه البخاري في صحيحه حديث رقم ( 398 ) [ 1 / 159 ] ورواه مسلم في صحيحه ، باب النهي عن البصاق في المسجد ، حديث رقم ( 547 ) [ 1 / 388 ] ورواه غيرهما . ( 2 ) في سننه ، باب ما جاء في مثل الصلاة والصيام . . ، حديث رقم ( 2863 ) [ 5 / 148 ] ورواه أبو داود في سننه ، باب الالتفات في الصلاة ، حديث رقم ( 909 ) [ 1 / 239 ] ورواه غيرهما .